العيني

165

عمدة القاري

إلى الصفة المحمودة حيث صار انتشاره كرائحة المسك ، فافهم فإن هذا المقدار كافٍ . بيان رجاله وهم خمسة : الأول : اختلفوا فيه أنه أحمد بن محمد بن أبي موسى المروزي المعروف بمردويه ، هكذا قاله الحاكم : أبو عبد الله ، والكلاباذي والإمام أبو نصر حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه ( مختصر البخاري ) وذكر الدارقطني أنه ، أحمد بن محمد بن عدي عرف بشبويه ، وقال : أبو أحمد بن عدي بن أحمد بن محمد عن عبد الله بن معمر ، لا يعرف ، ومردويه مات سنة خمس وثلاثين ومئتين وأخرج الترمذي والنسائي ، وقال لا بأس وشبويه مات سنة تسع وعشرين أو ثلاثين ومائة ، وروي عنه أبو داود الثاني : عبد الله بن المبارك الثالث : معمر ، بفتح الميمين وسكون العين المهملة بالراء ، ابن راشد تقدم في كتاب الوحي هو وابن المبارك . الرابع : همام ، على وزن فعال بالتشديد ابن المنبه ، بكسر الباء الموحدة بعد النون المفتوحة ، تقدم في باب حسن إسلام المرء . الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والأخبار كذلك في موضعين والعنعنة في موضعين . وفيه : رواته ما بين مروزي وبصري ومدني . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد وأخرجه مسلم أيضاً في الجهاد وأخرجه ابن عساكر مضعفاً عن أبي أمامه يرفعه ، ( والذي نفسي بيده لا يكلّم أحد في سبيل الله والله تعالى أعلم بمن يكلم ) فذكره وفي لفظ ( ما وقعت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم في سبيل الله ، أو قطرة دمع في سواد الليل لا يراها إلاَّ الله تعالى ) . بيان لغاته ومعناه قوله : ( كلم ) بفتح الكاف وسكون اللام قال الكرماني : أي جراحة ، وليس كذلك ، بل الكلم الجرح من كلمه يكلمه ، كلماً إذا جرحه ، من باب : ضرب يضرب ، والجمع : كلوم وكلام ، ورجل كليم ومكلوم أي : مجروح ، ومنه اشتقاق الكلام من الاسم والفعل والحرف . قوله : ( يكلمه المسلم ) بضم الياء وسكون الكاف وفتح اللام أي يكلم به فحذف الجار وأوصل المجرور إلى الفعل ، والمسلم ، مرفوع لأنه مفعول ما لم يسم فالعه . قوله : ( في سبيل الله ) قيد يخرج به ما إذا كلم الرجل في غير سبيل الله وفي رواية البخاري في الجهاد من طريق الأعرج عن أبي هريرة : ( والله تعالى أعلم بمن يكلم في سبيله ) . قوله : ( كهيئتها ) أي : كهيئة الكلمة وأنث الضمير باعتبار الكلمة وقال الكرماني : وتبعه بعضهم تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة . قلت : ليس ، كذلك بل باعتبار الكلمة لأن الكلم والكلمة مصدران ، والجراحة اسم لا يعبر به عن المصدر ، مع أن بعضهم قال : ويوضحه ، رواية القايسي عن أبي زيد المروزي عن الفريري كل كلمة يكلمها وكذا هو في رواية ابن عساكر . قلت : هذا يوضح ما قلت لا ما قاله . فافهم قوله : ( إذ طعنت ) أي : حين طعنت ، وفي بعض النسخ وجميع نسخ مسلم : إذا طعنت ) بلفظ : إذا مع الألف ، قال الكرماني : فإن قلت : إذ للاستقبال ولا يصح المعنى عليه قلت : هو هاهنا لمجر ، الظرفية ، إذ هو بمعنى إذ وقد يتعاقبان أو هو لاستحضار صورة الطعن ، إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع ، كما في قوله تعالى : * ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ) * ( الروم : 248 ) يكون أيضاً بما في معنى المضارع ، كما نحن فيه وقال الكرماني : أيضاً ما وجه التأنيث في طعنت المطعون هو المسلم قلت أصله طعن بها وقد حذف الجار لم أصل الضمير المجرود إلى الفعل وصار المنفصل متصلاً قلت : هذا تعسف ؟ بل التأنيث فيها باعتبار الكلمة ، لما في هيئتها لأنها المطعونة في الحقيقة والذي إنما يسمى مطعوناً باعتبار الكلمة والطعنة . قوله : ( تفجر ) بتشديد الجيم لأن أصله تنفجر ، فحذفت إحدى التاءين كما في قوله : * ( نارً تلظى ) * ( فاطر : 9 ) فعله تتلظى ، وقال الكرماني ، تفجر ، بضم الجيم من الثلاثي ، وبفتح الجيم المشددة ، وحذفت التاء الأولى منه من التفعل قلت : أشار بهذا إلى جوباز الوجهين فيه ، ولكنه مبني على مجيء الرواية بهما قوله : ( واللون ) وفي بعض النسخ ( اللون ) بدون الواو ، واللون من المبصرات وهو أظهر المحسومات حقيقة ووجوداً ، فذلك استغنى عن تعريفه وإثباته بالدليل ، ومن القدماء من زعم أنه لا حقيقة للألوان أصلاً ومنهم من ظن أن اللون الحقيقي ليس إلاَّ السواد والبياض ، وما عداهما إنما حصل من تركيبهما ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية خمسة : السواد ، والبياض ، والحمرة ، والخضرة ، والصفرة . وجعل في البوافي مركبة منها . ( والدم ) أصله : دم وبالتحريك ، وإنما قالوا : دمي بدمي لأجل الكسرة التي قيل الياء كما لو إرضى يرضى من الرضوان . وقال سيبويه : أصله : دمى ، بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفاً لنظائره ، والذاهب منه الياء ، والدليل عليها قولهم في تثنية دميان ، وبعض العرب يقول في تثنيته دموان .